صدى الشعب – كتب عبد الهادي راجي
…دفن أحمد عبيدات اليوم في مسقط رأسه ، كانت جنازته أشبه بإجماع على نهجه …الذين حضروا كانوا من أقصى الجنوب ومن أبعد قرى الشرق ، ومن الأغوار ومن البادية …سؤالي هلء قرأت الدولة مشهد الجنازة ؟
لا يوجد صفحة في الفيسبوك إلا وترحم صاحبها على عبيدات : اليمين واليسار الإسلامي والمعارض والموالي ….والسؤال لماذا حظي هذا الرجل يكل هذه الهيبة وبكل ذلك الوقار في حياته وفي الممات ..؟
ببساطة لأنه مثل الهوية الوطنية الأردنية ، وببساطة أكثر لأنه قال : لا …وبصراحة وبكامل العمق والوضوح والمباشرة ، أحمد عبيدات ..طرح من نفسه ندا ، ومات ندا ..كأن دعوة غسان كنفاني قد تحققت فيه : لا تمت قبل أن تكون ندا ..واحمد هواختصار الحكاية واختصارها يكمن في كلمتين فقط : لم يخضع ….
سر الرجل ببساطة يكمن في أن السلطة في العالم الثالث هي مسطرة الأخلاق وهي المباديء ، هي وحدة القياس في الوطنية …نحن وطنيون إذا كنا بمقياس بعض الموظفين في المراكز العليا (وطنيون) ..ونحن أعداء الوطن إن حاولنا في مرحلة ما نقد السلطة وليس خدشها ، أحمد عبيدات لم يسمح للسلطة أن تشكل له قاعدة الأخلاق ، وأن تمنحه صك الوطنية ، وأن تضع له مسطرة في المسار والحياة ..الرجل ببساطة أكثر …قرر أن تكون المباديء هي المسطرة والرفض هو المسار ..الرجل بتعبير أدق كان سلطة في حد ذاته خلق من نفسه سلطة وهو خارجها ، هذا هو سر عبيدات …
أنا وغيري من الملايين في هذا الشعب ، قد نخضع في القياسات لموظف في جهة عليا ، أو لقناة أنتجتها السلطة ، وقد نرجم وقد نسجن ونطرد من الوظيفة العامة ، إن غضب منا أحدهم ..وسنبقى نكتب والخوف يطاردنا ، حتى الحقيقة نتخفف في قولها ..أحمد هو الذي تحرر من كل ذلك ، وكان ندا للسلطة ..واجهها بالأخلاق والمباديء
يحق للنساء في حرثا ولصبايا العبيدات ، أن ينثرن الدمع لأجله …لأنه سيظل حالة أردنية متفردة ، يحق للبنات أن يضعن صوره على دفاتر التاريخ لأنه استطاع أن يضع اسمه في التاريخ الأردني ، كمشعل لسراج لا ينفذ زيته …ويحق للناس هناك حين تزور المقابر كي تقرأ الفاتحة على الأحباء الذين رحلوا ، أن يمروا على قبره ويقرأوا الفاتحة …ويتذكروا هذا الرجل بفخر ، فقد كان جبلا أردنيا وعرا ومتفردا ..لم يسمح لأحد أن يعتلي قمته غير الريح السكرى التي تجرح الخد لعذوبتها ..
أحمد عبيدات هو الوحيد الذي قدم لنا إجابات عن علاقة الفرد بالوطن وبالسلطة ..هو الوحيد الذي مات ندا وعاشا ندا وولد رمحا .
عبدالهادي راجي





