تعديلات قانون الإدارة المحلية بين الطموح المتوقع وتحديات الواقع
العزام: قوانين الإدارة المحلية يجب أن لا تبقى دون لامركزية مالية حقيقية
صدى الشعب – إيمان طلال
تتجه الأنظار إلى شكل الإدارة البلدية القادم, في ظل الإعلان عن تعديلات في قانون الإدارة المحلية, والتي يعتبرها البعض مرحلة شبه مفصلية, تعيد رسم العلاقة بين المواطن والبلدية من جهه, وبين القرار المحلي والمركزية من جهة أخرى.
وبحسب المتداول فإن التعديلات لا تقتصر على تغييرات شكلية فقط, بل ستمس جوهر الإدارة والخدمات المقدمة, من أبرزها آلية اختيار رؤساء البلديات بالانتخاب المباشر, وفصل الإدارة التنفيذية عن المجالس المنتخبة, وإلغاء انتخابات مجالس المحافظات واستبدالها بالتعيين, بين ذلك كله تثار التساؤلات حول قدرة هذه التغييرات على تحسين الأداء دون تقليص دور المواطن في التمثيل والرقابة, كما يثير إلغاء انتخابات مجالس المحافظات واستبدالها بالتعيين، إلى جانب اشتراط مؤهلات علمية للمرشحين ودعم الاستقلال المالي للبلديات تساؤلات عدة منها الخوف من تراجع التمثيل الشعبي, وزيادة الفجوة بين صناع القرار والمواطنين, في الجانب الاخر هناك من يرى في هذه التعديلات فرصة لضبط الأداء ورفع الكفاءة،, فيما يبقى التساؤل هنا, هل ستنعكس هذه التعديلات على تحسين الخدمات والشفافية والاستقلال المالي للبلديات، أم أنه سيصنع تحديات جديدة, وما مدى قدرته على تحقيق نقلة حقيقية نوعية في مستوى الإدارة والخدمات والمساءلة.
التنمية البلدية تبدأ من إصلاح الإدارة لا النصوص
أسامه العزام مدير بنك المدن والقرى السابق، قال أنه من المتوقع أن تركز التعديلات على فك الاشتباك الحاصل في الصلاحيات بين المجالس البلدية ومجالس المحافظات، ومحاولة منح “البلديات” دوراً تنموياً أوسع بدلاً من دورها الخدمي التقليدي، ملامح التعديلات تشير أيضاً إلى رغبة واضحة في ضبط العمل المالي والرقابي، وربما ضرورة إعادة هندسة العلاقة مع وزارة الإدارة المحلية لتقليل البيروقراطية في المصادقة على القرارات، مشيرًا إلى أن جميع القوانين السابقة اقتربت من الجوهر لكنها لم تلامسه تماماً، وتكمن مشكلة القوانين الحالية أنها غالباً ما تكون “تجميلية”، إذا لم تقترن بإرادة حقيقية لتطبيق اللامركزية المالية، وليس الإدارية فقط.
وبين العزام خلال حديث لـ “صدى الشعب” أن الجوهر يكمن في “الاستقلال المالي والإداري” الحقيقي، وما نراه حتى الآن هو محاولات تنظيمية، لا زالت تبقي القرار المركزي مهيمناً، وأن القانون بملامحه الجديدة سيكون “منقذاً” في حالة واحدة فقط: إذا ترافقت الصلاحيات الجديدة مع مخصصات مالية وأدوات استثمارية حقيقية، أما إذا تم نقل المهام والمسؤوليات من المركز إلى البلديات دون نقل الموارد والقدرات الفنية، فسيتحول القانون إلى عبء إضافي يغرق البلديات المديونة أصلاً في مزيد من العجز والترهل، وهنا سيكمن الخطأ في “تضخم الجهاز الوظيفي” واستنساخ الترهل، وضخ أموال أو تعديل قوانين في ظل وجود جهاز إداري غير مؤهل أو متضخم يعتبر (حمولة زائدة)، يصبح كمن يصب الماء في وعاء مثقوب، فالإصلاح الإداري وتأهيل الكوادر البشرية في البلديات هو الأساس الذي يجب أن يسبق أي تمكين قانوني أو مالي.
مضيفًا أن النص القانوني عادة ما يمنح صلاحيات واسعة، لكن المشكلة في الأنظمة والتعليمات التنفيذية هو التخوف الدائم من أن تمنح القوانين الصلاحيات باليد اليمنى، وتسحبها الأنظمة والتعليمات باليد اليسرى، عبر اشتراط موافقة الوزير أو الجهات المركزية على العطاءات والمشاريع الكبرى.
وأشار إلى أن الرهان على التطبيق لا على النصوص، وهنا المشكلة تصبح “مركبة”، لأنه لا يمكن فصل المالي عن الإداري، فسوء الإدارة يهدر المال، وشح المال يعيق الإدارة الجيدة، ولكن برأيي، المعضلة إدارية بالدرجة الأولى؛ فالكثير من البلديات تمتلك موارد لكنها تفتقر للرؤية الإدارية الحصيفة لإدارتها وتنميتها.
ربط الإنفاق البلدي بمؤشرات أداء شرط للإصلاح
ورأى العزام أن إلغاء انتخابات مجالس المحافظات واستبدالها بالتعيين، هو موضوع جدلي وحساس، من منظور “تكنوقراطي”، لأن التعيين قد يضمن وصول كفاءات فنية متخصصة قادرة على التخطيط الاستراتيجي بعيداً عن الشعبوية والضغوط الاجتماعية، ولكن من منظور “ديمقراطي”، هو تراجع عن مكتسبات المشاركة الشعبية وتمثيل المواطنين، لذا التحدي سيكمن في معايير التعيين؛ فإذا كانت مبنية على الكفاءة المطلقة فقد تنجح التجربة تنموياً، أما إذا خضعت للمحاصصة فسنخسر الديمقراطية والتنمية معاً.
وحول البنود الجوهرية التي يجب أن يتضمنها القانون الجديد، بين أن من أهمها إلزامية الإفصاح والشفافية المالية، من خلال وضع نصوص قانونية تلزم البلديات بنشر موازناتها، ونفقاتها، وإيراداتها بشكل دوري ومبسط للجمهور، ليعرف المواطن أين يُنفق كل دينار، إضافة إلى التحول نحو أساس الاستحقاق المحاسبي وتطبيق الموازنة الموجهة بالنتائج، والذي يؤدي بدوره إلى مغادرة مربع موازنة البنود التقليدية، وربط المخصصات المالية بمؤشرات أداء قياسية (KPIs) قابلة للقياس، بحيث تكون المساءلة مبنية على النتائج لا على الإجراءات فقط، ومأسسة المساءلة المجتمعية، التي تعني منح الصفة القانونية لأدوات الرقابة الشعبية، وتمكين المواطنين من الاطلاع على قرارات المجالس ومحاضر الجلسات لضمان أعلى درجات النزاهة.
وتعد تعديلات قانون الإدارة المحلية، فرصة جيدة وحقيقية، لإعادة ترتيب المشهد البلدي، إذا رافقتها روح إصلاحية تعرف أن تصنع التوازن بين رفع الكفاءة وحماية التمثيل الشعبي من جهة، وبين نقل الصلاحيات ونقل الموارد في الوقت ذاته، فالقانون الجديد لن يتم قياسه بما يحوي من عناوين براقة، وإنما بقدرته على ترجمة الاستقلال المالي والإداري إلى واقع ملموس، عدا عن ضرورة العمل على الشفافية والمساءلة، والحد من تضخم الجهاز الوظيفي، الرهان الأهم على التطبيق ومعايير التنفيذ، ومدى قدرة الدولة والبلديات على حد سواء، تحويل هذه القوانين من نصوص على ورق، إلى خدمات واقعية أكثر فاعلية وقربا من المواطن.






