الشوشان لـ”صدى الشعب”: مخالفة إلقاء النفايات من المركبات تحتاج توعية قبل تشديد
الشوشان: فرض المخالفات دون توعية قد يُفهم كإجراء جبائي
صدى الشعب – سليمان أبو خرمة
رغم توسّع الإجراءات الرقابية للحد من إلقاء النفايات من المركبات، ما تزال هذه الظاهرة حاضرة في شوارع العاصمة، بما تعكسه من تحدٍّ سلوكي يتجاوز حدود المخالفة القانونية إلى أبعاد بيئية وثقافية أعمق.
وفي محاولة لضبط هذه الممارسات، فعّلت أمانة عمّان الكبرى منظومة كاميرات لرصد المخالفات، في خطوة تهدف إلى تعزيز الالتزام بالنظافة العامة، وسط تساؤلات حول مدى كفاية الردع الإلكتروني وحده لإحداث تغيير فعلي ومستدام في السلوك.
وتأتي هذه الخطوة في سياق نقاش أوسع حول فاعلية الأدوات الرقابية إذا لم تُرفق بمسارات توعوية وتربوية واضحة، تكرّس المسؤولية الفردية وتربط حماية البيئة بالمصلحة العامة، لا باعتبارها عبئًا أو إجراءً عقابيًا
منفصلًا عن الواقع اليومي للمواطنين.
سلوك لا تعالجه المخالفة وحدها
وبهذا الإطار، قال رئيس اتحاد الجمعيات البيئية في الأردن، عمر الشوشان، إن هذه الخطوة تنقل المخالفة البيئية من حيّز الوعظ والإرشاد إلى حيّز التطبيق الفعلي، مشيرًا إلى أنها أداة ضبط مهمة ضمن منظومة أوسع، لكنها غير كافية بمفردها لإنهاء السلوك المخالف.
وأوضح الشوشان خلال حديثه لـ”صدى الشعب” أن التجارب العالمية تثبت أن الكاميرات تسهم في تقليل السلوكيات المخالِفة، لكنها لا تقضي عليها بشكل كامل ما لم ترافقها إجراءات تربوية وتوعوية تغيّر القناعات الداخلية لدى الأفراد، مؤكدًا أن العقوبة وحدها تردع السلوك الظاهر لكنها لا تصنع التزامًا دائمًا.
وحول إمكانية تكرار تجربة كاميرات السير، أشار الشوشان إلى أن هذا السيناريو وارد في حال اقتصر التدخل على فرض المخالفات فقط، لافتًا إلى أن المواطن عندما يشعر بأن المخالفة إجراء عقابي منفصل عن مصلحة عامة واضحة، فإن التزامه يكون مؤقتًا وظرفيًا، وليس نابعًا من قناعة سلوكية راسخة.
وبيّن أن المشكلة في جوهرها سلوكية بالدرجة الأولى، إلا أنها تعكس ضعفًا تاريخيًا تراكميًا في تطبيق القانون، موضحًا أن استمرار الظاهرة يعود إلى غياب الردع سابقًا، وضعف التربية البيئية، إضافة إلى تطبيع المجتمع مع السلوك الخاطئ واعتباره “تفصيلاً صغيرًا” لا يترتب عليه ضرر، رغم ما يحمله من أثر تراكمي كبير على البيئة والمشهد الحضري.
وأكد أن فرض المخالفات دون حملة توعوية مسبقة قد يُساء فهمه باعتباره إجراءً جبائيًا، مشددًا على ضرورة ربط أي إجراء عقابي برسالة واضحة مفادها أن الهدف هو حماية الصحة العامة والحفاظ على البيئة، وليس تحصيل الإيرادات، معتبرًا أن الشفافية في التفسير تُسهم في بناء القبول المجتمعي وتعزيز الامتثال.
تحويل إلايرادات لصندوق بيئي يعزّز الثقة
وفيما يتعلق بالخطة المتكاملة المطلوبة لمعالجة الظاهرة، دعا الشوشان إلى اعتماد أربعة محاور متزامنة، تتمثل في إنفاذ قانوني عادل وحازم عبر الكاميرات والمخالفات، إلى جانب إطلاق حملة توعوية وطنية مستمرة تستهدف السائقين والمدارس ووسائل الإعلام، إضافة إلى تعزيز الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني والبلديات، وربط السلوك البيئي بمفهوم المواطنة والمسؤولية الفردية، لا بالخوف من العقوبة فقط.
وحول قيمة المخالفة الحالية البالغة 20 دينارًا، قال إنها قد تكون رادعة للبعض، لكنها غير كافية للجميع، مؤكدًا أن العدالة تقتضي أن تكون المخالفة متدرجة أو متناسبة مع تكرار السلوك، وربما مع نوع المركبة أو حجم الضرر، مع ضرورة مراعاة عدم إثقال كاهل ذوي الدخل المحدود.
وأيّد الشوشان تخصيص إيرادات المخالفات البيئية لصندوق بيئي متخصص، معتبرًا أن هذا الإجراء يعزّز الثقة العامة ويحوّل العقوبة إلى أداة إصلاح لا مجرد إيراد مالي، موضحًا أن المواطن عندما يرى أن الأموال المحصلة تُعاد استثمارها في التوعية والتنظيف وحماية البيئة، فإن تقبّله للقانون يزداد.
وأشار إلى أهمية الحوافز الإيجابية في تغيير السلوك، موضحًا أن تخفيض مخالفات أخرى أو منح نقاط إيجابية للسائق الملتزم يخلق معادلة نفسية مختلفة تجعل الالتزام مكافأة بحد ذاته، لا مجرد وسيلة لتجنب العقوبة، لافتًا إلى أن هذا النهج أثبت فعاليته في سياسات السلامة المرورية على مستوى العالم.
وفيما يتعلق بعدالة الكاميرات مقارنة بالمخالفات المباشرة، قال إن الكاميرات تُعد أكثر عدالة إلى حدّ كبير، نظرًا لدورها في تقليل التدخل البشري والحد من الانتقائية أو المزاجية، وتعزيز مبدأ المساواة أمام القانون، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة وجود آلية اعتراض واضحة وشفافة.
وحول قياس نجاح هذه الإجراءات، أوضح أن ذلك يتم من خلال رصد انخفاض كميات النفايات على الطرق، وتراجع أعداد المخالفات بمرور الوقت، إضافة إلى تغيّر الخطاب المجتمعي تجاه هذا السلوك، معربًا عن تأييده لإجراء دراسات اجتماعية وسلوكية دورية لتقييم الأثر وتعديل السياسات، بل وحتى إلغاء أو تخفيف العقوبات في حال ثبت أن السلوك تغيّر فعليًا.
وأكد على أن إنفاذ القانون ضرورة لا غنى عنها، إلا أن نجاحه الحقيقي يُقاس بعدالة تطبيقه ووضوح هدفه وقدرته على تغيير السلوك، لا الاكتفاء بمعاقبته، مشددًا على أن البيئة لا تُحمى بالكاميرات وحدها، بل بثقافة عامة يشعر فيها المواطن أن الالتزام البيئي مصلحة مشتركة لا عبئًا مفروضًا.






