صدى الشعب – راكان الخريشا
في خطاب العرش السامي لهذا العام رسم جلالة الملك عبدالله الثاني صورة متكاملة للتحديات الداخلية والخارجية التي تواجه الأردن، مؤكداً على ضرورة تكامل العمل بين جميع القطاعات لتحقيق أفضل النتائج المرجوة، فقد جاء الخطاب شاملاً لكل ميادين التنمية والتحديث، من تعليم واقتصاد وتوفير فرص عمل ورفع مستوى المعيشة، إلى إقامة المشاريع الكبرى وجذب الاستثمارات، مؤكدًا أن رؤية التحديث الإداري والأمني والديمقراطي هي الأساس الذي يخدم مصلحة الوطن العليا.
الخطاب لم يقتصر على رسم خريطة الإصلاحات الاقتصادية والسياسية فحسب، بل سلط الضوء أيضًا على الإنسان الأردني كركيزة أساسية للتنمية، وأكد على أهمية تعزيز مكانة الأردن إقليمياً ودولياً، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف، مع تعزيز اللحمة الوطنية والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، كلمات جلالته التي قال فيها “يقلق الملك نعم يقلق، لكنه لا يخاف إلا من الله” تجسد رؤية قيادية واعية للتحديات، وتجعل من الأردن نموذجًا للاستقرار والمسؤولية في منطقة متقلبة الأحداث.
وعلى صعيد القراءة السياسية لخطاب العرش، قال رئيس قسم العلوم السياسية في الجامعة الأردنية، الدكتور محمد الخريشا، إن الخطاب حمل رسائل واضحة تؤكد أنّ الأردن ثابت على نهجه الإصلاحي ومستمر في مشروعه الوطني رغم التحديات الإقليمية والدولية، وجلالة الملك وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمسيرة التحديث السياسي والاقتصادي، التي تمثل اليوم خيار الدولة الاستراتيجي لتعزيز حضورها ودورها واستدامة استقرارها.
وتابع الخريشا التركيز على الوحدة الوطنية والاعتزاز بالمؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية يعكس إدراك القيادة لأهمية اللحمة الداخلية كصمام أمان في ظل ما تشهده المنطقة من توترات، والخطاب حمل تأكيداً صريحاً على ضرورة حماية مكتسبات الدولة وترسيخ ثقة المواطن بمؤسساتها.
ولفت الخريشا إلى أنّ جلالة الملك أعاد التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، ليس فقط كشعار سياسي، بل كمنطلق ثابت للسياسة الأردنية، وجلالة الملك شدد على معادلة واضحة لا أمن ولا استقرار دون سلام عادل، ولا سلام دون دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة تتيح للشعب الفلسطيني ممارسة حقه المشروع وإقامة دولته على ترابه بعد عقود من النضال.
وأوضح الخريشا خطاب العرش تميز بالوضوح في رسم الأولويات الوطنية، حيث وضع جلالة الملك الإصلاح السياسي والاقتصادي في صلب اهتمامات الدولة، مؤكدًا أن هذه الإصلاحات ليست شعارات بل خطوات عملية لتعزيز المؤسسات وإرساء قواعد الحكم الرشيد، كما أبرز الخطاب أهمية المتابعة الدقيقة لتنفيذ السياسات ومساءلة الجهات المعنية، بما يعكس حرص القيادة على كفاءة الأداء وتحقيق النتائج المرجوة.
وأشار الخريشا الخطاب حمل إشارات دقيقة حول الاستقرار الداخلي وتعزيز اللحمة الوطنية، من خلال تثمين دور المواطنين كافة في بناء الوطن وحماية مكتسباته، مؤكداً أن الوحدة الوطنية والتماسك الاجتماعي يشكلان قاعدة أساسية لمواجهة التحديات الخارجية، وهذه الرسائل تعكس رؤية جلالة الملك في أن الدولة القوية هي التي تجمع بين الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، مع تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وبيّن الخريشا أن الخطاب حمل موقفاً صريحاً تجاه الممارسات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، واستمرار الأردن في أداء دوره التاريخي في حماية المقدسات من خلال الوصاية الهاشمية التي تجسد مسؤولية دينية وسياسية لا مساومة عليها، وهذا الموقف ليس مجرد إعلان سياسي، بل رسالة للعالم بأن الأردن يقف في الصفوف الأولى دفاعاً عن هوية القدس وحقوق أهلها.
وتوقف الخريشا عند العبارة التي قال فيها جلالة الملك “يقلق الملك نعم يقلق، لكنه لا يخاف إلا من الله”، موضحاً أنّ هذا التعبير يلخّص بجرأة حقيقة اللحظة الراهنة في المنطقة، ويُظهر قيادة مدركة لتحدياتها، مستعدة لمواجهتها بثقة وصلابة، فالقلق هنا كما قال الخريشا، قلق المسؤول الحريص على مستقبل شعبه، وليس قلق العاجز، لأن الأردن يمتلك من الثوابت والتحالفات والدور الإقليمي ما يعزز حضوره وتأثيره في ملفات المنطقة.
وشدد الخريشا على أنّ خطاب العرش لهذا العام لم يكتفِ بتكرار مواقف سابقة، بل شكّل امتداداً واعياً لها، ومراجعة ذكية للمرحلة، ورسالة طمأنة للداخل، وتنبيه للخارج بأن الأردن دولة لا تتراجع عن حقوقها وثوابتها مهما اشتدت الضغوط وتغيرت الظروف.






