الإثنين, 09 نيسان/أبريل 2018 00:58

الصيام المسيحي

كتبه  حسني عايش

الصيام في الإسلام ركن من الأركان الخمسة فيه. إنه ركن أو فرض لا يُناقش ولا يُبحث له عن مبرر، وإن تبارى المسلمون في بيان فضائله. والصيام في الإسلام هو الامتناع التام المباشر وغير المباشر عن الطعام والشراب من الفجر إلى الغروب وطيلة شهر رمضان. قال صلى الله عليه وسلم: "صوموا لرؤيته (الهلال) وأفطروا لرؤيته".
يبدو أن المسلمين اليوم قد تجاوزوا الحدود في الاستهلاك في الشهر الفضيل؛ إذ يمعنون في إعداد أصناف الغذاء والشراب طيلة النهار كماً ونوعاً، للفطور، وينفقون عليها أضعاف ما ينفقون عليها في بضعة أشهر. كما أنهم يتكاسلون فيه ولا ينتجون، بعكس الفضائل التي تنسب إلى هذا الشهر، والانتصارات التاريخية التي تحققت فيه. لقد ذكرت في مقال سابق، أنه لو تصوم اليابان -مثلاً- شهراً على هذا النحو لانهار اقتصادها.
ومثلما أن الصيام في الإسلام ركن من أركان الإسلام، فهو كذلك ركن من أركان المسيحية، فهو مستمد من سيرة السيد المسيح الذي قضى أربعين يوماً في الصحراء فيما يعرف الآن بدير قرنطل قرب أريحا بدون طعام وماء. وهو مرتبط بعيد الفصح؛ أي بتذكار قيامة السيد المسيح يوم الأحد من الموت.
والصيام في المسيحية هو الامتناع عن تناول كل ما له صلة باللحم والبيض والحليب ومشتقاته كالشوكولاته، لدخول الحليب في صناعتها، فيعتمد المسيحي في صيامه/ غذائه على الخضار والبقول والفواكه.
تختلف الطوائف المسيحية الشرقية فيما بينها وبين الطوائف الغربية في موعد الصيام ومتعلقاته. ومن ذلك أن طائفة اللاتين -مثلاً- تصوم أربعين يوماً، لكنها تسمح بتناول السمك كل يوم أحد؛ أي يوم قيامة السيد المسيح من الموت، بينما تصوم طوائف أخرى خمسين يوماً. وتبدأ الطوائف التي تسير حسب التقويم الغربي الصيام قبل أسبوعين من بدئه عند الطوائف الشرقية كالروم الأرثوذكس، والسريان.. وتصوم الغربية حتى الأول من نيسان، والشرقية حتى الثامن منه.
ومثلما للصيام في الإسلام متعلقات من مثل صيام بعض المسلمين كل يوم اثنين أو خميس.. والتعبد بالأدعية الدينية، يوجد له في المسيحية متعلقات، فبعضهم يصوم يوم الجمعة الحزينة التي صلب بها السيد المسيح طيلة العام، وبعضهم يصوم عشرة أيام كل عام للسيدة مريم العذراء، وهكذا، كما يصاحب صيامهم ما يسمى بالترانيم الدينية الكثيرة التي يتعبدون بها في الكنائس.
ومثلما انتقل الصيام عند المسلمين من تأدية الفرض، والعبادة بالبساطة والتقشف إلى تبريرهما بالشعور مع الفقراء والمحتاجين، وإلى التكفير بالعبادة وأعمال الخير عن الذنوب والآثام، انتقل الصيام كذلك إلى مثله عند المسيحيين.
ومثلما يرى بعض الأطباء المسلمين أو الإسلاميين أن الصيام مفيد أو مريح للجسم، كذلك يرى بعضهم الصيام في المسيحية. كما يتحدث كلاهما عن البُعد الروحي في الصيام وأنه تأمل ومراجعة وتوبة. وهكذا يكثف الطرفان الصلاة في الجوامع والكنائس والبيوت.
أما الاختلاف الرئيس بين المسلمين والمسيحيين في الصيام، فامتناع المسيحيين عن الاحتفال بالأعراس والزواج أثناء فترة الصيام إلا بإذن كنسي خاص بالحالات الاضطرارية.
يختلف المسيحيون عن المسلمين باعتبار الاعتراف بالخطايا هو جوهر الصيام، فيتوجه المخطئون إلى الكنائس قبل بدئه للاعتراف فيها أمام الكاهن أو القس طالبين مغفرة الرب لهم من خلالهما.
أما المعاشرة الجنسية الزوجية فحرة في الدينين، فالقرآن الكريم يقول: "أحل لكم ليلة الصيام الرّفث إلى نسائكم" (187/2)، وبعكس ما كان عليه الأمر في المسيحية في الماضي حين كانت محرمة طيلة فترة الصيام.
ويتماثل المسلمون والمسيحيون في الإعداد والاستعداد للصيام مبكراً، ولكن الفرق أن أسعار السلع في رمضان ترتفع كثيراً، بينما تنخفض أسعار اللحوم والبيض والحليب ومشتقاتها في الصيام المسيحي، وترتفع أسعار الخضار والفواكه فيه.
وختاماً، لقد كتبت هذا المقال بمناسبة الصيام المسيحي وترجمة لقوله تعالى: "يا أيها (الناس) إن خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم" (13/49)، وكذلك بصفتي مسلماً يسفّه ويرفض فتاوى التكفيريين بالمقاطعة، مخاطباً الأخوة المواطنين المسيحيين من الجنسين، أقول: كل عام وأنتم بخير، وأعاده الله عليكم وعلى الأردن باليمن والبركة.