الجمعة, 02 شباط/فبراير 2018 18:51

تجنب شرور المرحلة

كتبه  جمانه غنيمات

من الطبيعي أن يغضب الناس، وأن لا يطيقوا أي زيادة على كلف المعيشة، تحديدا في ظل ظروف صعبة نعيش معها منذ سنوات طويلة، ومن حق المجتمع أن يعبّر عن عدم رضاه عن تضحيات قسرية بسبب حزمة قرارات صعبة ومستدامة، تلجأ لها الحكومة كلما فرغت خزينتها.
وللجميع الحق أن يلوم الحكومة وينتقدها على الطريق الذي اختطته لحل المشكلات المالية. وليس سرا أن الوصفة التي اتبعتها تقليدية ومعروفة حتى لمن ليس لديه أي خبرات، فأسهل شيء أن ترفع الأسعار والضرائب من أجل زيادة الإيرادات؛ إذ لا خلاف على ذلك!
كل ما سبق حق مشروع للناس، لكن ذلك الحنق على الحكومة وكل قراراتها لا يعني أن نلغي المنطق والعقل في اختيار ردود الأفعال حيال الحكومة، مع الإشارة إلى الظروف الحساسة التي يمر بها البلد، وتحديدا في ظل الضغوط الكبيرة لفرض حل للقضية الفلسطينية، مع وجود إدارة أميركية لا تهتم إلا برغبات إسرائيل المحتلة.
 بعيدا عن نظرية المؤامرة، فإن الضغوط التي يتعرض لها الأردن للتسليم بموضوع القدس كبيرة، لا تنفصل عن الأزمة الخانقة التي تجتاحنا منذ سنوات، وهي وثيقة الارتباط بما يحدث، وهو ما قاله جلالة الملك أول من أمس في حديثه لطلاب كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للدراسات الدولية.
فحالة الفوضى التي يمور بها الإقليم، تحتاج إلى قليل من اليقظة في التعاطي مع شأننا الداخلي، ولترتيب بيتنا ليكون منيعا في وجه التحديات والتهديدات.
بصراحة أي ردود فعل غير مدروسة أو أي تصعيد سيؤدي إلى الفوضى وخروج الأمور عن السيطرة بما لا يخدم الأردن ولا الأردنيين الذين قدموا تضحيات كبيرة للحفاظ على أمنهم وأمانهم واستقرارهم.
الفترة حاسمة وخطيرة، والإشارات كثيرة بأن ثمة شيئا يتحول في سيكولوجيا الأردني، نتيجة الضغوط الكبيرة، فهذا شاب يهدد بخنق أشقائه، وأب يقرر الانتحار مع اثنين من أبنائه، ومحاولات السطو بدءا من البنوك مرورا بمحال الدجاج والصيدليات، وليس انتهاء بمحال الذهب، كل هذه الحوادث المتفرقة هي إشارات على هذه التغيرات والتحولات.
طريقة التعاطي مع التحولات والتقلبات في مزاج الناس ومع الحالة العامة الصعبة، حتى اللحظة تتم بعقلية كلاسيكية، وهذا بصراحة لا يكفي ولا يحل المشكلة، ولن يمتصّ الغضب القابع في قلوب الناس، لأن الحل فقط بالاشتباك الحقيقي مع المجتمع والتواصل، فيما نحن ندور في حلقة من قرارات مستفزة وتفسيرات لم تقنع الناس بعد أن ظهر أنه ليس في جعبة الحكومة أي أفكار أخرى سوى تلك المتعلقة بالقرارات الصعبة.
الناس حتى اللحظة لم يتقبلوا القرارات، وهذا طبيعي، بيد أن ما هو غير طبيعي هو كيف نأت الحكومة بنفسها عن التواصل مع الناس والحديث معهم، لتقديم ما لديها من أفكار لإقامة حوار قائم على الصراحة والمكاشفة معهم، لأن الجميع شركاء في هذا الوطن، وعلاقة المجتمع بالحكومات لا تقوم على طرف مرسل وآخر متلقٍ.
القاعدة أن يكون الجميع شركاء، وعليه فإن حوارا مؤجلا بات ضرورة الآن، والتواصل مع الناس من قبل المسؤولين والنزول إلى الميدان مسألة لم تعد تحتمل التأجيل.
الحالة اليوم صعبة، والأوضاع ليست هيّنة، والتهديدات تطل من أكثر من باب، والمطلوب من كل الأطراف التقدم خطوة للبدء بحوار وطني يوصلنا إلى توافقات تجنبنا شرور المرحلة، ودائما ثمة دروس مستفادة من الأزمات.