الثلاثاء, 04 تموز/يوليو 2017 03:07

قطر والقلوب المليانة

كتبه  محمد كريشان

«قضية عائلية» إذن هي الأزمة بين قطر ودول الخليج العربية الأخرى.. هكذا رأت واشنطن المسألة على لسان المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر حين قال للصحافيين بالحرف الواحد قبل أيام: «نعتقد أن هذه قضية عائلية، وعلى الدول المعنية حل الأزمة بينها. إذا أرادوا منا تسهيل المحادثات بينهم سنفعل، وإلا فإنهم سيحلون الأزمة لوحدهم».
«قضية عائلية»… تعبير غريب إلى حد ما، لم تستعمله واشنطن حتى في حديثها عن قضايا خلافية داخل البلد الواحد، بل هو غير دارج أصلا في «القاموس الدبلوماسي» بين الدول حتى عند التطرق لأزمة بين سلطة و معارضة في دولة ما، أو حتى لاضطرابات بين أبناء شعب واحد. مثل هذا التعبير يفترض أن يكون الأنسب في سياق كهذا و ليس في سياق أزمة بين كتلة من أربع دول ضد دولة واحدة، بدأت بقطع العلاقات الدبلوماسية وطرد الرعايا وإغلاق المعابر البرية والبحرية والجوية وصولا إلى تقديم قائمة بـ 13 مطلبا لهذه الدولة مع مهلة ب10 أيام هي أشبه ما يكون بالإنذار النهائي. 
«قضية عائلية» هنا هي أشبه ما تكون بالشتيمة مع أن لا أحد فهمها كذلك أو علق عليها من هذا المنطلق. هي أقرب ما تكون إلى القول «ضجيج شارع» أو «طيش شباب» أو «لعب عيال» ظاهرها وصفي وباطنها تعبير عن إنزعاج يصل حد التبرم أو الامتعاض. بل هو في هذه الحالة الأمريكية أقرب ما يكون إلى تعبير آخر… «ضجة بين عرب!!» على غرار القول «خصومة بين سود». صحيح أنك تصف لكنك بالتوازي تشتم بنفس قد يلامس حدود الازدراء !!
ما جرى هذه الأسابيع الأخيرة لا علاقة له في الحقيقة بما درجت عليه الدول في تعاملها الثنائي أو الإقليمي أو الدولي المتعدد الأطراف. وحتى لا تختلط الأمور، دعنا نفترض جدلا من البداية أن قطر دولة سيئة فعلا وتستحق كل ما نالها وأكثر، لكن هل هذا يعني أن الجبهة الأخرى أدارت الخلاف معها بأسلوب يليق بهذه الدول، سواء تلك التي لم تـُـضف إلى ما يعرف بالمجتمع الدولي إلا مطلع سبعينيات القرن الماضي أو تلك التي مضى عليها قرن واحد أو حتى تلك الضاربة في التاريخ بعمق آلاف السنين. 
لو اتخذت هذه الدول خطوات مدروسة ومتصاعدة وفق الأعراف الدولية و«أخلاقيات» الخلاف بين الدول لما استحق الجماعة «شتيمة» القضية العائلية، وهنا للإنصاف قد يستوجب إخراج مصر من هذه القصة لأني لو كنت محل الرئيس السيسي وأجد من يعايرني ويفضحني باستمرار بأني قمت بانقلاب على الشرعية، وخنت قسمي على القرآن الكريم، وأحاصر الفلسطينيين في غزة وأتآمر عليهم، وأبطش بأبناء شعبي وأسوق العشرات منهم للإعدام، وأفرط في تراب بلدي بعد أن كنت أقول ذلك زورا عن الرئيس مرسي.. طبعا من يفعل ذلك معي ليلا نهارا فسأحقد عليه إلى يوم يبعثون…
لذا دعنا نحصر الأمر في هذه الدول الخليجية الثلاث التي استفاقت فجأة ذات فجر رمضاني لتعلن أن «قطر رجس من عمل الشيطان فاجتنبوها». كان يمكن أن يتفهم المرء مثل هذه الخطوة لو أنها هذه الدول مهدت لها بما يليق بالدول، وهيأت له الرأي العام المحلي والدولي بما يجعل ما يمكن أن تقدم عليه لاحقا أمرا مفهوما من باب « قد أعذر من أنذر». كان يمكن لهذه الدول مثلا أن تدعو إلى قمة خليجية طارئة تستعرض فيها كل ما لديها من مآخذ على قطر، سياسية وأمنية وغيرها وتجعل من سلطنة عمان ودولة الكويت شاهدتين على ذلك. 
كان يمكن لها أن تخوض بالتفصيل في حجم الضرر الذي تزعم أن الدوحة ألحقته بها وأن تتفق جماعيا على خطوات تهدئة تدريجية إذا لم تتم فإن هذه الدول في حل من البحث عن تسوية بالتي هي أحسن، ومن حقها أن تفعل ما تهدد به، وليس من حق أي كان أن يلومها ولو بكلمة واحدة. 
لم يتم هذا، كما لم تتم الدعوة لاجتماع للفت انتباه قطر إلى ما تعتبره هذه الدول عدم التزام الدوحة بما تم الاتفاق بشأنه عام 2014، كما أن التوصل إلى استنتاج من هذا القبيل يستلزم خطوات عقابية تصعيدية من قبيل تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي وغيرها من الخطوات التي يمكن أن تزداد حدة كل ما أظهرت الدوحة عدم اكتراث أو قلة تجاوب، أما أن تأتي فجأة وتصب جام غضبك القديم والجديد دفعة واحدة وبغـــلِّ شديد، وحقد لا متناه، قد لا يكون حتى مع ألد الأعداء، وتتقدم بمطالب مذلة وتعجيزية من الصعب على أي دولة أن تقبل بها، فدليل صارخ على أن القصة، كما يقول المثل الشعبي، «مو رمانة، القصة قصة قلوب مليانة»…

٭ كاتب وإعلامي تونسي