الخميس, 15 حزيران/يونيو 2017 03:18

يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين

روي أنّ من عادة الصحابة الكرام أنهم كانوا عندما يسمعون نداء الله (يأيها الذين آمنوا) رعوه مسامعهم، على أنهم هم المقصودون بالنداء، ولسان حال أحدهم أنْ لبيك اللهم، فقد هيأ نفسه لما يريده الله، وهذا هو الإسلام الحق، حيث الاستسلام لله تعالى والخضوع له، والرضا المطلق عن الله، والتهيئة الكاملة لما يريده الله تعالى.
ونحن في هذه الأيام الفضيلة علينا أن نؤكد هذه المعاني في نفوسنا، حيث إشراق الروح وتألقها وسموها، وحيث يدرك أحدنا حقيقة نفسه، وكم هو ظالم لنفسه حين يعلم تقصيره في حق الله، وكم هو لاه لاعب بعيد عن أن يحقق لنفسه هذا التألق وهذه المكانة التي بإمكانه أن يحققها بقرار بسيط يحسمه ويعزم عليه، أن يكون مع الله تعالى، وتكون حياته لله وفي الله.
كثيرة هي النداءات بيا أيها الذين آمنوا، والعجيب أن يكون غالبها متبوعا بالأمر بتقوى الله، ومعطوفا عليه أمر آخر، فتجتمع الأشياء الثلاثة، النداء بالإيمان، وتقوى الله، والشيء الذي يريد الله سبحانه أن يؤكد عليه لأهميته، فمثلا هناك: "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد"، و "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا"، و "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة"، و "يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا"، وهكذا، وهي صيغة لطيفة مهمة، فنداء الإيمان وحده كفيل بأن يوجه المؤمن لمراد الله، ولكن مجيء التقوى ذو أهمية زائدة، فالموضوع بحاجة لتقوى حقيقية، حيث مخافة الله تعالى، وضرورة الانقياد والإتقان، وهذا الربط بين التقوى والشيء المراد دليل على أهميته وضرورة الالتزام به، فهو باب إلى التقوى والإيمان.
وهنا في هذه الآية جاءت الصيغة نفسها، حيث نداء الإيمان، والأمر بالتقوى، وأن نكون مع الصادقين، وهي من أواخر سورة التوبة الحافلة بذكر أحوال المنافقين وأقوالهم وحججهم، حتى سميت الفاضحة والكاشفة، وقال بعض الصحابة: ما زال ينزل: ومنهم، ومنهم، حتى ظننا أنها لن تدع منا أحدا، وهي شفافية عالية وتقوى حقيقية من الصحابة، أن يشك أحدهم بنفسه، ويخاف أن ينزل به قرآن يُتلى.
جاءت الآية بعد الحديث عن الثلاثة الذين خُلّفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فقد كانوا صادقين فيما اعتذروا به، ولذلك قبل الله توبتهم، وأنزل فيهم قرآنا يتلى إلى يوم الدين، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصتهم معروفة في كتب السيرة حين تخلفوا عن غزوة تبوك، فقد نجاهم صدقهم مع الله تعالى.
جاء الأمر بأن نكون مع الصادقين، ولم يكن الأمر: "وكونوا من الصادقين"، بل (مع الصادقين)، وهو أسلوب نادر، ولكن مؤداه في النهاية ومحصلته أن يكونوا من الصادقين، فمن لازم قوما أصبح منهم، ومن عاش أجواء صفة من الصفات تخلق بها، فمن كانت أجواؤه وبيئته الصدق فسيكون من الصادقين لا محالة، إذ النماذج التي يتعامل معها والممارسة لخلق الصدق ستخرج شخصية صادقة لا محالة.
وإذا علمنا أصناف الناس في ذلك الوقت فهم الرسول ومن معه، والمنافقون الذين يتحدث سياق الآيات عنهم، والمشركون في عمومهم، فالآية توجهنا لترك هؤلاء المجرمين ممن تبينت صفاتهم وأخلاقهم، وأهمها الكذب، بأن نكون مع الصادقين وهم محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. والآية مستمرة إلى يوم الدين مرشدة إيانا أن نكون مع الصادقين فأمرهم خير وجد، فقد صدقوا الله ورسوله.
جيء بالصدق هنا لأن آفة المنافقين الرئيسة هي الكذب، وأهم كذب أنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان، ويكثرون من الحلف والأيمان وهم كاذبون، ويكثرون من الاعتذار وهم كاذبون، فالصدق مسألة مغيبة عن سلوكهم وأقوالهم.
يريد الإسلام من أتباعه الصدق والثبات على الحق، فالإنسان بمبادئه ومواقفه، ومن هنا جاء المدح لأولئك الذين لم يبدلوا ولم يغيروا: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"، فالثبات على المبدأ مهما كانت الظروف والمغريات من أروع المواقف التي يعتز بها أحدنا، وهو يفعل هذا الشيء صبرا وحبا لله تعالى.
وفي آية أخرى وموقف من مواقف القيامة يلخص الله تعالى مسألة الحساب بموضوع الصدق فقال: "ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما"، فهو الصدق الذي به يفرَّق بين المؤمن والكافر، ولهذا قال الله تعالى في آخر سورة المائدة: "هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم"، فالصدق أوصلهم إلى النجاة أولا، وإلى أعلى الدرجات ثانيا، ولا ننسى أن الله ذكر الذين أنعم عليهم: "من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"، فمرتبة الصديقين بعد الأنبياء مباشرة وقبل الشهداء.
الصدق مطلوب في النية والقول والعمل، فصدق النية مؤداه الإخلاص الذي لا يُقبل العمل إلا به: "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات"، فلا بد لأحدنا من أن ينقي نيته، ويصدق في توجهه إلى الله تعالى، فهو غايته، ولا يفعل ما يفعل من أمور إلا ابتغاء وجهه الكريم.
وصدق القول معروف، وجاءت معظ الآيات حاثة عليه ليكون سجية في شخصية المسلم، فيتحرى الصدق ليُكتَب عند الله صديقا، وعلى العكس الكذب الذي إن تحراه العبد فسيكتب عند الله كذابا.
أما صدق العمل فهو بالنية من جهة، وموافقته شرع الله تعالى من جهة أخرى، وإتقانه من جهة ثالثة، فأحدنا لا يريد في هذه الدنيا إلا مرضاة الله تعالى، وأن يسيطر عليه شعور الصدق، ليكون له منجاة، بل يرفعه إلى مقام عال، كما كان أبو بكر الصديق، فلم يسمه الرسول بأي وصف أفضل من الصدق.